و استصحب الهجمة على السيد الوزير باعتبارها باعث على الانطلاق من حيثية معبرة عن " خلفية " هذا التوجه المستنكر لكل ماهو رسمي في الشأن الديني..
لقد حضرت يوم 13 ماي 2026 مع جميع علماء المجالس العلمية بالمملكة الندوة التي نظمها المجلس العلمي الاعلى بمقره بالرباط تحت عنوان :" السيرة النبوية : مصدرا للعلم و العمل و مرجعا في القيم و الأخلاق " وكانت الكلمة الإفتتاحية لوزير الأوقاف و الشؤون الاسلامية الدكتور أحمد التوفيق ؛ والذي كعادته قدم توليفة من التنظير العالي، الجامع بين قدرة تدبرية عجيبة للنص الشرعي، والتقاط ألمعي للعبر من تاريخ المسلمين ،و تجميع لدرر من التدبير السياسي للسلاطين المغاربة في حماية بيضة الإسلام، مع بسط للتحديات الفكرية و الحضارية التي واجهت وتواجه المسلمين و الأمة المغربية بالخصوص؛ مع ذكاء في استحضار بعض المقارنات مع التجارب العالمية للأديان الكتابية و غيرها ؛ وفوق كل هذا ؛ يدهشك الحضور الروحي للسيد الوزير و الاحساس الذي تضفيه كلماته على أجواء التلقي؛ و هو أن الرجل يتكلم من موقع رجل الدولة، و هموم أولي الأمر ، وليس مجرد كلام عارض لبضاعة ثقافية يتغيا تنشيط ندوة جامعية.. وقد كان جليا هذا الحضور الروحي قبل شهور عندما استمتع العلماء بمداخلة للسيد الوزير تحدث فيها عن مسؤولية العلماء الربانيين أمام التحديات المعاصرة الخطيرة ؛ وقد فوجئنا بلحظة انهمرت الدموع من عينيه و غلبه بكاء شديد و هو يستدل بآيات من كتاب الله؛ فتعذر عليه ان يكمل محاضرته؛ فانسحب من القاعة أمام تأثر و ذهول الجميع !!
لقد ذكر السيد الوزير في ثنايا محاضرته في الندوة الأخيرة أن سيدنا رسول الله " قد بعث هاديا وليس غازيا" ؛ وهو كلام يستقبله ذو اللب - واللب هو العقل إذا صفا - و صاحب الفطرة السليمة، بكل ارتياح وقبول ؛ فنحن أتباع النبي المعظم صلى الله عليه وسلم نحس أن قرآن ربنا وأن صلاتنا و ذكرنا و صيامنا وكل شعائرنا؛ تدعونا لنكون "أهل قول معروف، لين، و جميل؛ و ليس "أهل فظاظة ، و عنف و عدوان و قتال" ..
لكن كانت هذه الجملة، هي موضوع الخرجات الاعلامية التي تستنكر قول الوزير ؛ وتتهمه بتحريف سيرة النبي وتدعوه لقول الحقيقة كاملة؛ و الحقيقة في نظرهم هي أن النبي "قد بعث هاديا، و غازيا كذلك " أي أن البنوة جاءت إلى العالمين بلسانها و بسيفها !!
إن التأمل في طرح النبوة الغازية هذا ؛ و هو طرح قد زرع في وجدان المتدينين دهرا طويلا ؛ لأسباب يطول شرحها ؛ يكشف أنه اتجاه يتأسس على منهج في التفكير يحتاج تقويما ابستيمولوجيا ؛ بمعنى تقويما سابقا لمرحلة انتاج هذه الآراء ؛ تقويما يشتغل على "الآليات المعرفية و المنهجية للإنتاج" نفسها.
فالذي يقرأ مثلا ؛ "سيرة طبيب" دوره في الأصل انتاج " الشفاء"؛ أي تمتيع الاجساد بالصحة والعافية و القوة؛ وقد مارس طول حياته مهمة تقديم خدمات الشفاء للناس؛ ثم يأتي من يدرس سيرة الطبيب؛ فيقتطع منها لحظتين مخصوصتين هما : لحظة وصف حمية قاسية لمريض مخصوص؛ ولحظة الاضطرار لاجراء عملية جراحية لاستئصال ورم سرطاني لمريض مخصوص ..
إن اختيار هاتين اللحظتين؛ لحظة الحمية القاسية؛ و لحظة الاستئصال العضوي؛ من أجل الاستدلال على أن روح سيرة الطبيب هي " استعمال القسوة في العلاج و الاستشفاء" ؛ ليعبر عن خلل معرفي و منهجي لدى دارس هذه السيرة ؛ فالمهمة الأساسية للطبيب من خلال سيرته و التي لا تحتمل التأويل؛ تقوم على استراتيجية" الرحمة بالأجساد والأرواح " ؛ وكل عمل قام به الطبيب مخالف لهذه الرحمة ماهو إلا استثناء و خروج عن القاعدة مؤقتا و اضطرارا للمحافظة على "قاعدة الشفاء" ؛ فهو استثناء يدعم القاعدة و لا يبطلها.
وسوف أترك لعقولكم الحكم العدل على من استنتج من سيرة الطبيب أنه كان : "قاسيا عنيفا" على مرضاه !!
إن الداعية الذي يعلن بأن النبي بعث غازيا مقاتلا ؛ لا يدرك "حجم الرعب" الذي يبثه في قلوب العالمين من هذا النبي ؛ إن طبيبا يوصف "بالقسوة" سيجعل الناس يتفادون مجرد استشارته، فالاحرى تسليم أجسادهم لمبضعه.
و يمكن إجمال الخلل المنهجي في النظر الى سيرة سيدنا رسول الله الذي تصدر عنه ردود هؤلاء المنتقدين للوزير و للسياسة الدينية عموما ، في العناصر الاتية :
أ- ان المهمة الكبرى للنبي صلى الله عليه وسلم، و المعلن عنها في القرآن " وما أرسلناك الا رحمة للعالمين" هي مهمة استثنائية؛ و الأصل الذي يعلوها ويحكمها هو : "إكراه العالمين على اعتناق الاسلام"؛
ب- إن الغاية العظمى من خلق الناس حسب القرآن و سنة النبي هي "التعارف والتعاون" ؛ هي غاية عند المنكرين غاية "تمويهية" وليست حقيقية؛
ج- إن حرص النبي على عدم تخويف الناس من مقام النبوة؛ وانفضاضهم من حوله والتي عبر عنها بقوله :" أتريدون أن يقال أن محمدا يقتل أصحابه" ماهو إلا "صبر تكتيكي" على المنافقين و ليس خلقا أصيلا يمقت الانتقام؛
د- إن إعلان النبي أنه جاء "ليتمم مكارم الاخلاق" وعلى رأسها أخلاق المحبة و التعاون و التسامح؛ ماهو إلا إعلان استدعته حالة ضعف أهل الإسلام في انتظار لحظة الاستقواء .
س- إن "وثيقة المدينة" التي أرست السلام والاستقرار في المجتمع و اعتبرت سكان المدينة أمة واحدة يتعايشون في تعاون و حسن جوار ؛ ماهي إلا حيلة سياسية مؤقتة؛
غ - إن فتح مكة الذي كان سلميا؛ و حرم فيه النبي الانتقام من أعداء الأمس؛ و أصدر فيه العفو العام؛ بقوله: "اذهبوا فأنتم الطلقاء"، لا يعبر عن خلق النبي الحامل للرحمة للعالمين، بقدر ما يعبر عن "دهاء المنتصر" الذي ينتظر اكتمال السيطرة على المدينة.
ق- أن دعوة النبي بالهداية لأعدائه المشركين في مكة بقوله :"اللهم اغفر لقومي فانهم لا يعلمون" كان دعاء المستضعف و الخائف من القتل.
إن هذه الخلفية في التفكير كافية لتقنعنا بأن النبي فعلا كان غازيا و ليس هاديا ؛ بيد أننا سوف نحاصر بآلاف الأدلة الناسفة لهذا الطرح !!
فما حقيقة هذا النبي الغازي العاشق للقتال الذي كان يمارس حربا خاضعة لمنطق المحبة و الرحمة ؛ منطقها " لا تقتلوا امراة ،و لا طفلا، و شيخا كبيرا ،و لا معتزلا في صومعته، ولا تقطعوا شجرا مثمرا "؛ هل فعلا كان هدف هذا النبي هو الغزو و إذلال الأعداء ؟
إن تاريخ الحروب هو تاريخ تدمير العدو : بشريا و عمرانيا و اقتصاديا؛ والنبي لم يمارس هذه الحرب أبدا.
ولهذا فالخلل عند "دعاة العزو" يتأسس على تصور للنبوة جاءت لجر الاجساد إلى المساجد لعبادة الله؛ و أن النبي رجل يحمل السيف ليقطع عنق من قال :" لا ؛ لن أدخل في الاسلام" ؛ في الحقيقة كان النبي يحمل سيفه ولكن ظروف الصحراء و غياب القانون و ثقافة الغزو عند البدو تلزم كل انسان اي يتأبط سيفه والى عهد قريب اجدادنا كانوا يحملون الخنجر في كل وقت.
لكن هذا لا يعني أن حمل الخنجر من مقومات الحياة الإجتماعية السوية؛
فالنبوة جاءت للدعوة إلى التعاون على البر و التقوى؛ و عدم التعاون على الاثم والعدوان ؛ جاءت بالرحمة للعالمين و الدخول في السلم كافة ؛ لقد ارسل الله موسى الى المجرم فرعون و أمره بأن يخاطبه بأسلوب الانبياء " اذهبا ألى فرعون إنه طغى، فقولا له قولا لينا، لعله يتذكر أو يخشى"..
إنه منهج الأنبياء القائم على أن كلمة الله لا تحتاج الى السلاح؛ فهي قوية في ذاتها وبذاتها ؛ و النبي يحتاج الى السلام و الحوار و التعارف
لأنه بعث هاديا؛ و الهداية سر إلاهي؛ فالله هو وحده سبحانه "الهادي"؛ ومن شروط الهداية أن يكون العقل و القلب في حال هدوء و اطمئنان و ليس في اجواء رعب و خوف و فتنة ؛ والقتال والغزو الذي نقرأه في سيرة النبي هو الاسلوب الذي يتبنه أعداء كلمة الله منذ نببنا آدم عليه السلام إلى قيام الساعة ؛ لأن أعداء الانبياء يعرفون أن نور الله جميل وجليل و قوي و فاتن و محبوب و موافق للفطرة؛ لهذا يحاولون اطفاءه بزعزعة الأوضاع باللغو و التخويف والفتنة؛ و لكن يأبى الله إلا أن يتم نوره و لو كره الكافرون..
نعم يحتاج الحق لقوة تدفع عنه العدوان ؛ وهذا هو الوجه الاستثنائي للنبوة ؛ الجنوح أحيانا إلى الحل الطارئ و المؤقت، و لكنه يبقى خيارا تكتيكيا وليس خيارا استراتيجيا في سيرة النبي المعظم.
دعوني أبدأ من النهاية ؛ كل داعية اختار طريق النصيحة للناس، يستبطن في مرحلة من مراحل الانخراط في الدعوة إلى الله هذه القناعة ؛ ينبغي أن تختبر إيمانك بنقد وتجريح المسؤولين على تدبير الشأن الديني من رجال الدولة لأن هذا الاختبار مندرج تحت " قولة حق عند سلطان جائر "؛ وهو شعور عشناه في بدايات انخراطنا في الدعوة الى الله منذ الفترة التلاميذية بالثانوي، مرورا بحياتنا الجامعية الصاخبة.. هكذا يجد المتدين من خلال " إنشاء" أدبي ممتد عبر التاريخ أن الاحتجاج على المسؤول على السياسة الدينية انجاز "لا يستطيعه" إلا نفر من "الدعاة الصادقين"!! ؛ ويستصحب هذا الشعور " شفقة " على علماء المؤسسة الرسمية لأنهم خانعون مطبلون للتدين الرسمي السلطاني " الكاتم للحق" من منطلق " الساكت على الحق شيطان أخرص" !!
ينبغي أن يكون المرء مجردا من " كثير من المقروءات الإعتراضية المنزوعة من سياقاتها " وأن يتمتع بخيال انطولوجي واسع، وبرؤية دبلوماسية ممتدة في التاريخ ؛ لكي يستوعب في "نسق شديد التركيب" الكثير من الثنائيات الجدالية المتأسسة على أعطاب منهجية في التفكير الإسلامي المعاصر..
إننا ملزمون بحكم التمييز المنهجي بين الآيات المحكمات و الأخر المتشابهات ؛ و كذا بالتوسل بالحس و العقل و سنن التاريخ أن نعتقد يقينا بأن "روح دين الله: الإسلام" هو الاتصاف بالرحمة خلقا ؛ و الدخول في السلام والسلم دعوة ؛ و أن التصرف و الفعل التاريخي للإيمان والمؤمنين هو نشر هذه الرحمة بين الخلائق ؛ و جعل التعارف أساس كل عمران واجتماع؛ وهي أخلاق و أسس لا تقبل الجدل أو المراجعة تحت أي ظرف؛ "فالنبوة القدوة" ماقبل (عدوان الظالمين) بل وما بعد عدوانهم ؛ هي الدعوة إلى الهدى بالكلمة و الحوار ؛ و "النبوة القدوة" تبقى المؤتمنة على الخطاب الجامع لاخلاق "التبشير لا التنفير" و البر و التقوى لا الإثم و العدوان؛ سواء قبل ( تهجم اهل الباطل) أو بعد تهجمهم ..
إن معالي وزير الأوقاف يمثل المؤسسة الدينية الرسمية المنتجة للخطاب الديني في سياق مخصوص هو الآن، و مجال مخصوص هو المملكة المغربية الشريفة ؛ و المطلوب منه كمدبر للسياسة الدينية - واهم أشد الوهم من يظن أن الوزير هو المنتج و المنظر لهذه السياسة - بالأساس هو المحافظة على "ارث النبوة في الرحمة".. أما صناعة "الردود المقابلة للاعتداء بمثل حجمه" ؛ فهو تخصص مؤسسات رسمية اخرى تمثل التصرف النبوي في كل مقام من مقامات النبوة الجامعة؛ "فالنبوة" هي المركز الجامع لكل المؤسسات؛ التربوية و الاقتصادية و الاجتماعية و الاعلامية و السياسية و العسكرية و الديبلوماسية؛ و المملكة الشريفة بمقتضى التدبير الدولتي المعاصر تقوم بتصريف "الحكمة النبوية" عبر مختلف المؤسسات؛ وكل مؤسسة رسمية أعلم وأدرى بتكتيكات الردود على " التحديات المعاصرة المستهدفة لارث النبوة " وتقدير حجم هذه التحديات ؛ ووزير الأوقاف ينتج من الخطاب المعبر عن السياسة الدينية و ينزل ما يوافق ويناسب مقتضيات السياق المغربي؛ و يكون محافظا على "جوهر النبوة الخالص" ؛ وليس ما يوافق " خطابات و تنزيلات و حلول و علاجات " أملتها تدافعات أنتجت في سياقات تاريخية و حضارية ماضية ..
فالوزير و هو عضو بالمجلس العلمي الأعلى حريص على حماية وجه النبوة و جوهرها وروحها المتمثل في " الرحمة للعالمين"؛ وهو يعرف حدود و مجال خطابه و تدبيره في جغرافية تتجاور فيها مجالات و قطاعات و مؤسسات رسمية أخرى .. فعندما كان النبي حيا ؛ كان يتصرف بألوان من التصرفات و القبعات داخل مجال الدولة الإسلامية؛ و كان المسجد كذلك هو مجال الحل والعقد وتدبير الشأن العام، والمركز الجامع لكل أصناف التصرف النبوي تربويا او اجتماعيا او اقتصاديا او حتى عسكريا ، أما اليوم ؛ فصيانة لقدسية بيت الله، استقلت مؤسسات التدبير عن المسجد ؛ فأصبحت المؤسسة العسكرية مثلا ؛ قائمة الذات بتنظيراتها و اجراءاتها الميدانية، مستحضرة لروح النبوة في حفظ دين الأمة و دماء الأمة و حوزتها ؛ وأصبح خطاب النبوة :" أمرت أن أقاتل " خطاب تنفرد به مؤسسة الدفاع و ليس مؤسسة وزير الأوقاف أو مؤسسة العلماء ؛ مع العلم أن داخل المؤسسة العسكرية هناك قطاع للدعم المعنوي و الإرشاد الديني وهو تخصص موجود في كل دول العالم.
إن الدعاة المنكرون على السيد الوزير يعانون - وهي معاناة مفهومة لنا نحن على الأقل، الذين شببنا من طفولتنا داخل تيار الدعوة إلى الله - من ضبابية في الرؤية الدينية، و تشوش منهجي في التعامل من النصوص التأسيسية : قرآنا وسنة ؛ بالإضافة الى الغرق في بحر السيرة المجيدة؛ وهو بحر يحتاج مهارات خاصة لكل خائض لعبابه؛ والسيرة في حقيقتها هي " كلام الله و سنة رسوله " المطلقين؛ عندما يتنزلان سياسة في معمعة التاريخ النسبي؛ وبين المطلق المعصوم و النسبي المظنون تاهت عقول الكثير من الدعاة.
إنه لمن دواعي الأسى أن تجد خريجا من مسالك العلوم الشرعية، وقد يحمل شهادة الدكتوراه؛ يكتب او يخطب منتجا "إنشاء" معطوبا، سواء عرضته على مسلمات علم الاجتماع الديني؛ أو حاكمته بمسلمات العلوم السياسة ؛ واستطيع أن أجزم أنها أعطاب تخترق الشخصية الدينية المشاكسة بشكل مدهش..
و إني على يقين أن الكثير من الدعاة - و لست جانحا إلى التعميم - المستهدفين للسياسة الرسمية بالنقد ؛ كما شهدنا في الموجة الشعواء على خطبة الجمعة وهي الموجة التي تصلح أن تكون " مادة" لتحليل شخصيات أصحابها الذين استبطنت مزيجا من "التقليدانية و الحجج الباهتة" ؛ قد تكثلوا في مجموعات تشتغل بعقلية الملأ ؛ وتلتحم علاقاتهم الدعوية بمودة في الحياة الدنيا ينقصها الكثير من حسن الظن؛ فتجدهم في اجتماعاتهم يعرضون غنائم غزواتهم الخطابية بكل فخر وثقة ؛ و يتبادلون ردودهم الافحامية على الوزير و على علماء المجلس العلمي الأعلى بكثير من السخرية الممقوتة في سورة الحجرات ناسين مفعول ( عسى أن يكونوا خيرا منهم ) الداعية إلى "التواضع المعرفي" على الأقل.. فالطائفة المتفقهة في الدين و المتصدية للنذارة من علماء المجالس العلمية تأتمر بأمر أمير المؤمنين أعزه الله حامل لواء الدود عن دين الأمة و توابثها من منظور الدولة الاستراتيجي؛ و هو منظور كنا في زمن "مراهقتنا الدعوية" نعتبره "مضيع لأمانات النبوة؛ لكونه قريبا من السلطان ! " ..
إن تراثا عريضا موروثا عن فترات من تاريخ الأمة انفصل و تباعد فيها السلطان عن أهل القرآن؛ وانتقم فيها أهل القرآن بالدعوة الى مقاطعة السلطان الجائر و عدم الاقتراب من عتبة القصور ورعا؛ بالموازاة مع مقاطعة القبور براءة من الشرك ؛ إن هذا التراث قد شكل "سيكولوجية دعوية تعتقد أنه من المستحيل قيام "سلطان" يعيد لأهل القرآن مقامهم في الدولة قائمين بالقسط ، منافحين عن دينهم، و منخرطين في نفخ روح القرآن وسنة رسول الله في مفاصل و عروق الأمة والدولة.
وإن ثمة إحساس ينتابني أنك مهما حاولت الدولة مجتهدة في خدمة الإسلام بآليات مبتكرة مستجيبة لروح العصر؛ فلن تستطيع إقناع هذا الاتجاه الدعوي التشاؤمي الذي يتمتع بسيكولوجية يائسة من وعد الله " أن الأرض سيرثها عبادي الصالحون "؛ والشاك في قدرة الله على الجمع المتجدد في التاريخ بين السلطان و القرآن؛ بعد الجمع النبوي المبارك الأول.
ونحن كمنخرطين بكل تواضع؛ و و بكل مسؤولية أيضا؛ في المؤسسة الرسمية التي يرأسها مولانا أمير المؤمنين - و أنا أعلم الوقع المدهش لهذا التوصيف على " الصيد" بتعبير اهل الصحراء؛ أي على ( دعاة الإستحالة هؤلاء) - نحن علماء السلطان لمقتنعون بأن هذا "التوليف المبارك" بين "كلام ربنا و سنة نبينا" وبين "سياق حضاري جديد وفريد غير مسبوق" قد استئنف عن علم وحكمة في مملكتنا المغربية الشريفة ؛ وهو استئناف مبني على " تنظير اندماجي" شاركت فيه أعظم الأدمغة المغربية المعاصرة المنتمية لجميع التخصصات و في مقدمتها " علوم الشريعة بلحاظ مقاصدها" و علوم التاريخ بلحاظ فلسفتها" و علوم المستقبليات بلحاظ مدارسها"؛ بيد أن هناك "وهما" يدعو للسخرية يدعي أن السياسة الدينية ينتجها الوزير على هواه ؛ وهو وهم تنتجه الكبرياء و شح بالنفس يستعصي علاجه بدون تواضع صوفي صادق ؛ ولو اطلع دعاة الإنكار على " أسماء الخبراء المشاركين" في انتاج السياسة الدينية و مقامهم العلمي ؛ لامتنعوا عن الكلام زمنا غير يسير؛ وانشغلوا بشد عضد السياسة الدينية لبلدهم ..
ولعل من المناسب أن أصرح هنا بأننا كنا مثلهم ؛ فمن الله علينا، و أنا أقدر عن تجربة و خبرة "الحجب" التي تعيق المتدين من إبصار السيرورة التاريخية للحضارة المغربية كما هي حقيقة؛ وليس كما لقن هو عن طريق الكثير من قصيري النظر في الشأن الديني؛ و"الذين تنتجهم جامعاتنا" للأسف الشديد.
و في الختام : ثمة حقيقة يجب ان يدركها كل الدعاة الذي انتهجوا سبيل التنقيص بل و التنمر على معالي وزير الاوقاف ؛ إن الوزير يجتهد ليقدم في خطبه و محاضراته وتوجيهاته جوهر النبوة المحمدية الخاتمة و هو " الرحمة للعالمين"؛ وأما الاختيارت التي فرضت على النبي استثناء مثل حمل السلاح والقتال؛ فالقرآن يصف هذا الإختيار بأنه " جاء تحت ظروف قاهرة غير مرغوبة" يقول سبحانه :" كتب عليكم القتال وهو كره لكم "؛ كما أن الإختيارات الاستثنائية وهي من أمر الخوف والأمن ترجع إلى "مؤسسات" متأسسة على الفعل وليس القول؛ فمن تقاليدها التزام " واجب التحفظ"؛ إذ تفكر بمنطق أمني دقيق؛ و هي منشغلة بوضع الاستراتيجيات و تطوير الصناعات و مواجهة الاختراقات الظاهرة و الباطنة و السبيرانية و غيرها ..
وسيكون من رجاحة العقل و التواضع المحمود ؛و كذا الاستجابة لسيرة الرسول المعظم أن يتدبر الكثير من "الدعاة المشاكسين لاختيارات أمتهم" نصيحة رسول الله : "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"؛ و مالا يعني المرء في سياق مرافعتي هذه؛ هو "ما لا يحيط المشاكس بتفاصيله و أسراره وخباياه الشديدة التعقيد !!
بعد كلمة معالي الوزير في ندوة المجلس العلمي الاعلى التي سبقتها قراءة ملائكية من العلامة الفقيه و اللغوي و المقرئ سيدي عبد الرحيم النابلسي بحر القراءات القرآنية و علوم القرآن؛ تتالت المداخلات المتدبرة في سيرة رسول الله من خيرة و ألمع علماء المملكة ؛ لتختتم الندوة بوصلات السماع و المديح لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ جسد فيها العلماء التعلق الجمالي بسيرة نبي الرحمة والجمال؛ ورفع الدعاء لمولانا أمير المؤمنين أعزه الله، الذي أهاب بالعلماء وبالأمة المغربية أن يجعلوا "شخصية" سيدنا رسول الله موضوعا للدرس و التدبر و الاعتزاز والصلاة و المديح في كل زمان ومكان.






