فن وإعلام

المعرض الدولي للكتاب والهندسة الناعمة للإقصاء

خالد أخازي ( روائي وإعلامي مستقل )
الاقتصاد الرمزي للمشهد الثقافي من إنتاج الاعتراف إلى إعادة تدوير النخبة

في كل موسم ثقافي مغربي جديد يتكرر المشهد نفسه تقريبا... دون تشويق ولا فتنة غير المتوقع...

كأن " حواريي" الثقافة لا يتعلمون من ذاكرة تاريخ الثقافة... أن التكرار ومأسسة " النجوم المزيفة "... ينتهيان في أقرب منعطف تاريخي...

ومعرض الكتاب بالمغرب لا يتقدم خطوة خارج الدائرة التي رسموها له منذ سنوات طويلة... كتب تتطلع لقارئ جر جرا.. وتتكدس، ندوات تتكاثر، منصات توقيع خجولة... من شلة ملتزمة بأعرافها... توقيعات أمام الكاميرات رسمية...وغير رسمية... وداخل القبيلة... الأدوار موزعة بدقة... حتى داخل دهاليز الأخبار والنشرات الثقافية.

جوائز قد تعلن في أجواء احتفالية.. تبدو للوهلة الأولى علامة صحة ثقافية، لكنها عند التمحيص تشبه أكثر واجهة لامعة لبنية أعمق تعمل في الظل وبصمت شديد... 

ما يحدث في المغرب كما في فرنسا كما في أجزاء واسعة من المشرق العربي لا يختلف في الجوهر بقدر ما يختلف في الشكل التفصيلي. هناك تنوع واضح في اللغة وفي المؤسسات وفي درجة التنظيم، لكن هناك تشابها مدهشا في منطق الاشتغال. الثقافة لا تعمل فقط كإنتاج حر للأفكار والإبداعات، بل كحقل اجتماعي محكوم بقواعد غير مرئية تحدد بصرامة من يظهر ومن يستدعى ومن ينسى ومن يعاد تدويره داخل نفس الدوائر المغلقة.

هذا الحقل كما يمكن قراءته سوسيولوجيا لا يدار فقط عبر النصوص أو الجودة الإبداعية المجردة، بل عبر شبكة معقدة من العلاقات والرموز والتموقعات الاستراتيجية... هنا تصبح القيمة الثقافية شيئا آخر غير النص ذاته، بل تصبح القدرة على الظهور وعلى التكرار وعلى التموقع داخل دوائر الاعتراف المتبادل. 

في هذا السياق بالذات يقدم عالم الاجتماع بيير بورديو مفهوما مفصليا لفهم هذه البنية العميقة من خلال ما يسميه رأس المال الرمزي، حيث لا تقاس القيمة بما ينتج فقط، بل بما يعترف به داخل شبكة اجتماعية ومؤسساتية متداخلة تمنح الشرعية لمن يتقن قواعد اللعبة.

داخل هذه البنية المهيمنة لا يكفي أبدا أن تكتب أو تبدع، بل يجب أن تُرى وأن تُستدعى وأن تُدرج داخل الدورة الدموية للمشهد....هكذا يتحول الحضور إلى قيمة في حد ذاته، وتتحول الدعوة إلى اعتراف صريح، والاعتراف إلى ترقية مجانية داخل سلم رمزي غير مكتوب يتسلقه العارفون بمسالكه. فإذا اقتربنا أكثر من المعارض الثقافية الكبرى سنجد أنها لا تعمل فقط كفضاءات بريئة لعرض الكتب أو تبادل الأفكار، بل كأنظمة دقيقة وصارمة لإدارة الظهور وتوزيع الأدوار... وصناعة الرموز والنجومية.

فمن يدعى للندوة الرئيسة، من يقدم الضيوف، من يجلس في الصف الأول تحت عدسات المصورين، ومن يشارك في لجن التحكيم، كلها تفاصيل تبدو صغيرة وعابرة لكنها ترسم الخريطة الحقيقية والمخفية للمشهد الثقافي... المعرض يتحول إلى جهاز توزيع رمزي يمنح ويمنع.

واللافت للانتباه بشدة أن هذه الخريطة لا تتغير كثيرا مع مرور الوقت... قالأسماء نفسها تعود في كل موسم ثقافي، لكن في مواقع وأدوار مختلفة تضمن لها البقاء تحت الضوء... وبألقاب تمنح وتصرف وترسخ أعلاميا...فشخص ما يكون ضيفا مكلفا بالحديث اليوم، قد يصبح عضو لجنة تحكيم غدا، ثم مكرما بعده، ثم يعود ليقدم غيره في دورة لاحقة...

هذه الحركة الدائرية المستمرة لا تبدو عشوائية أو وليدة الصدفة، بل تعكس منطقا داخليا صلبا لإعادة إنتاج الاعتراف داخل دائرة شبه مغلقة تحمي نفسها من الدخلاء...سمته الأساس " الخوف" .... من الآخر... وعقدة الذنب التي تعذبها بفعل عدم رضاها عن نفسها...

هذا التدوير لا يعني بالضرورة وجود تخطيط مركزي مباشر أو مؤامرة تحاك في غرف مظلمة، بل يشير إلى ما يمكن تسميته بالضبط الذاتي للحقل، حيث تقوم العلاقات المتراكمة والمصالح الرمزية بتوجيه الاختيارات بشكل غير مرئي. ومع الوقت يصبح التكرار طبيعيا ومقبولا، بل متوقعا، وكأن المشهد لا يستطيع أن يتخيل نفسه بدون الوجوه ذاتها المألوفة.

في هذا السياق المعقد لا يعمل الإعلام الثقافي كمرآة عاكسة للواقع فقط، بل كفاعل أساسي داخل البنية نفسها يكرس نفوذها... فهو يحدد ما يرى وما لا يرى، يعيد تدوير نفس الرموز الثقافية، ويمنح بعض الأحداث والأشخاص حجما أكبر بكثير من غيرهم، حتى تصبح بعض الأسماء شبه مركزية بفعل التكرار المستمر لا بفعل المفاجأة الإبداعية أو العمق المعرفي. ومع تراكم هذا المنطق الإقصائي يتحول الظهور الإعلامي بحد ذاته إلى جزء لا يتجزأ من رأس المال الرمزي، أي أنه لا يعكس القيمة الثقافية فقط بل ينتجها من العدم أحيانا. وهكذا تتداخل وتتلاشى الحدود بين من ينتج المعرفة ومن يسوق لها ومن يعاد تقديمه داخل المشهد كأيقونة لا تمس.

إذا كانت البنية العامة للمشهد الثقافي تقوم على إعادة إنتاج الاعتراف، فإن ما يحدث داخل التفاصيل اليومية يكشف الطبقة الأعمق والأكثر تعقيدا من هذا النظام، وهي شبكة غير مرئية من العلاقات يمكن تسميتها بحذر تحليلي بظاهرة الشلة الثقافية. هذه الظاهرة في الواقع ليست مجموعة اجتماعات ودية أو لقاءات مقاه فحسب، بل هي بنية اشتغال كاملة تعيد توزيع الضوء والمكاسب داخل الحقل الثقافي....هذه الشلة لا تعمل كتنظيم رسمي له قوانين، ولا تعلن عن نفسها في بيانات، لكنها تظهر وتفرض سيطرتها عبر الأثر الملموس، من خلال تكرار الوجوه وتشابه الدعوات وانتظام الأدوار وإعادة تدوير الأسماء عينها داخل مواقع نفوذ مختلفة.

وفي لحظة مفصلية خارقة يصبح من الصعب جدا التمييز بين الفاعل الثقافي المستقل والمؤسسة الصغيرة التي تعيد إنتاجه وتفرض وصايتها على ذوق الجمهور.

وما يجعل هذه البنية فعالة وقادرة على الاستمرار هو كونها لا تعتمد على الإقصاء المباشر والفظ، بل تعتمد على ما يمكن تسميته بالإدماج المشروط. أي أنك لست خارج اللعبة بالكامل حتى تشتكي وتتمرد، لكن دخولك إليها يمر حتما عبر بوابات غير مرئية تتطلب شروطا محددة من قبيل العلاقات، الحضور المستمر، الاعتراف المتبادل، ودرجة عالية من التوافق والمهادنة مع منطق الحقل القائم. في هذا السياق يصبح الحضور الثقافي والنجاح ليسا نتيجة للإنتاج المعرفي فقط، بل نتيجة لمعادلة مركبة تتضمن الإنتاج والتموقع والاعتراف والقابلية للدوران السلس داخل الشبكة دون إحداث ضجيج مزعج.

ومع الوقت تتحول هذه المعادلة الصامتة إلى اقتصاد غير مكتوب لكنه شديد الفعالية والقسوة. اقتصاد لا يتداول فيه المال فقط، بل يتداول فيه الظهور، الدعوة للمهرجانات، الجائزة الأدبية، والموقع داخل الصورة العامة للمشهد. وهنا يتشكل ما يمكن تسميته باقتصاد الغنيمة الرمزية، حيث تصبح الثقافة مجالا مفتوحا لتوزيع موارد غير مادية لكنها شديدة القيمة والتأثير على المسار المهني لأي كاتب أو مفكر. في هذا الاقتصاد بالذات لا تقاس القيمة بالمنجز أو عمقه الفلسفي، بل بعدد المرات التي يعاد فيها إنتاج الاسم داخل الدورة الثقافية الرسمية والمحطات الرسمية. الاسم الذي يتكرر هو الاسم الذي يكتسب وزنا وهيبة، حتى لو لم يتغير إنتاجه كثيرا أو أصابه الجفاف الإبداعي. وهنا يحدث تحول دقيق وخطير، حيث تنتقل القيمة من النص الذي يفترض أن يكون المركز إلى الموقع الذي يحتله الكاتب وحتى الكتبة و" قناصو الحالمين والحالمات" بصفة أدبية عبر أساليب وضيعة داخل الخريطة.

يظهر هذا المنطق بوضوح جلي في آلية تنظيم الندوات والمهرجانات التي تصرف عليها ميزانيات ضخمة. في الظاهر هناك تنوع كبير في الموضوعات المطروحة والمداخلات المبرمجة، لكن في العمق هناك انتظام خفي وصارم في توزيع الأدوار وتبادل المنافع. الفاعلين أنفسهم لا غير...يتناوبون بين تقديم محاضرة، أو مداخلة نقدية، أو إدارة جلسة، أو حتى حضور رمزي في الصفوف الأمامية مدفوع التكاليف...

هم لجنة تحكيم... أحيانا... في لجنة تنظيم حين يتطلب الأمر... مقدمو ندوة... نقاد.... مبدعون... مكرمون...حسب سوق " الشلة" ..وكأن المشهد برمته يدور داخل دائرة مغلقة تتغير فيها الزوايا ومواضيع النقاش لكن لا يتغير أبدا مركز الجاذبية. في هذه البيئة المحكومة بالولاءات... لا تعمل المؤسسات الثقافية فقط كمنصات محايدة لترويج الفكر، بل تتحول إلى آليات تثبيت وترسيخ للوضع القائم...فهي لا تكتفي بتنظيم الفعل الثقافي بل تساهم بوعي أو بدونه في تحديد من يحق له أن يكون جزءا من النخبة بشكل دائم ومن يجب أن يبقى على الهامش. ومع مرور الوقت يصبح الانتماء إلى هذا الحقل أقل ارتباطا بالفعل الإبداعي اللحظي أو الطفرة المعرفية، وأكثر ارتباطا بالقدرة على الاستمرارية وإتقان فن العلاقات داخل الشبكة.

هنا يبرز مرة أخرى ما يسميه بورديو بإعادة إنتاج الحقل، حيث لا يكتفي النظام بإنتاج الفاعلين بل يعيد إنتاج شروط وجودهم وهيمنتهم أيضا بشكل يجعل التغيير الداخلي محدودا بطبيعته ويقضي على أي أمل في التجديد الجذري.

لكن ما يميز السياقات الثقافية في المغرب مقارنة بالنموذج الفرنسي هو درجة المرونة في هذه الشبكات وطبيعة اشتغالها. في فرنسا لا ننكر أنها أيضا تعمل مؤسساتها كحواجز تنظيمية قوية تقنن المرور وتضع معايير صارمة رغم وجود المحسوبية المخفية. أما في السياقات العربية عموما فهناك تداخل أكبر وأكثر فجاجة بين الرسمي والشخصي، بين المؤسسة والعلاقة الخاصة، بين الدعوة المستحقة والاعتراف المبني على المجاملة... بين الأجندة السياسية والقول الأدبي... بين تتويج الوهم ومعاقبة الشغب الفكري. 

هذا التداخل لا يعني بالضرورة فوضى عارمة، بل يعني بنية أكثر سيولة لكنها لا تقل انتظاما وصرامة في الإقصاء. بل على العكس تماما، السيولة نفسها تصبح جزءا من آلية التحكم والسيطرة لأنها تجعل الحدود ضبابية وغير واضحة المعالم، وبالتالي تجعل إعادة إنتاج الوجوه ذاتها أكثر نعومة وأقل قابلية للانفجار أو الانتقاد المباشر.

في قلب هذه البنية المتكلسة تلعب المهرجانات الثقافية دورا مركزيا وحيويا في إطالة عمر الشلة. فهي ليست مجرد أحداث احتفالية لتكريم الإبداع، بل هي لحظات كثافة رمزية يتم فيها إعادة عرض النظام الثقافي المهيمن في أقصى درجاته البصرية والاحتفالية. الإضاءة المبهرة... الخطابات الفضفاضة...الصور المنتشرة.. التكريمات المتبادلة... العناوين الحربائية لجوائز تقلد جوائز أخرى...كلها عناصر تعمل بتناغم لإنتاج صورة خادعة عن الثقافة بوصفها حالة ازدهار دائم وحراك لا يتوقف. لكن خلف هذه الصورة الاستعراضية يطرح سؤال جوهري ومؤلم، هل تنتج هذه المهرجانات معرفة جديدة وفعالة حقا، أم أنها مجرد واجهة تعيد تثبيت ما هو قائم وتمنح الشرعية لمن لا يحتاجها أصلا ويخدم رؤيتها؟تشير الملاحظة الميدانية الدقيقة إلى أن المهرجانات غالبا ما تعمل كمنصة مسارعة لإعادة إنتاج الشبكات نفسها، لكن على نطاق أوسع وأكثر بريقا لجذب الانتباه. فالأسماء نفسها التي تظهر في الندوات الصغيرة والمقاهي الثقافية، تظهر أيضا في الفعاليات الكبرى والمحافل الدولية، لكن هذه المرة داخل إطار بصري أكثر كثافة وميزانيات أكبر وخطابات أكثر تنميقا ورسمية. هنا يحدث نوع من التضخيم الرمزي، حيث لا يتغير المحتوى المعرفي أو الإبداعي بقدر ما يتغير الحجم والشكل، وكأن النظام الثقافي يثبت أركانه عبر التكبير المستمر للصورة بدل تغيير بنيتها المهترئة.

في المقابل يظهر الدعم العمومي والسخاء المؤسساتب الموجه كأداة حساسة وموجهة داخل هذه المنظومة المعقدة. فهو يفترض نظريا أن يكون وسيلة ديمقراطية لتوسيع قاعدة الإنتاج الثقافي ودعم الطاقات العابرة للنموذج والأصوات المغايرة، لكنه في كثير من الحالات يتحول إلى آلية روتينية لإعادة توزيع الموارد المالية داخل الدائرة المغلقة ذاتها. يحدث هذا ليس عبر سوء نية مدروس سياسيا أو فساد خفي، أو عبر منطق استمرارية بيروقراطي يعتمد على المشاريع المعروفة سلفا، والأسماء الموثوقة التي لا تثير المشاكل، والتجارب القابلة للتوقع والتي لا تحمل أي مغامرة فكرية. هذا السلوك المؤسساتي يؤدي إلى نتيجة دقيقة وكارثية في الوقت نفسه، وهي تقوية المركز الثقافي بشكل غير مباشر ومستمر، وإبقاء الهامش الواسع في حالة إنتاج مستمر يصارع من أجل البقاء دون عبور كاف أو منصف نحو الاعتراف. الهامش هنا لا يعني أبدا غيابا للإبداع أو ضعفا في الجودة، بل يعني غيابا قسريا لقنوات العبور وتسليط الضوء. هناك إنتاج فعلي ومتميز يحدث في العتمة، لكن هناك أيضا فجوة سحيقة بين هذا الإنتاج والاعتراف المؤسساتي، وهي فجوة لا تملأ بالعمل الجاد والمثابرة وحدها بل تتطلب آليات إدماج وتنازلات داخل الحقل.

ومع تراكم هذه العناصر والممارسات يتشكل نوع من التوازن المستقر ظاهريا، نظام يبدو نشطا ومتحركا، لكنه يعيد إنتاج نفسه بنفس الأدوات والوجوه تقريبا. وهذا تحديدا ما يجعل المشهد الثقافي يبدو حيا ومزدهرا من الخارج، لكنه من الداخل يعمل بإيقاع متكرر وممل. في هذا السياق الشائك يصبح السؤال الحقيقي ليس من يقصى ومن يدمج، بل كيف أصبح هذا النظام قادرا على إعادة إنتاج نفسه بشراسة دون حاجة إلى تغيير جذري في بنيته، وهنا تظهر المفارقة الكبرى، فكلما بدا المشهد أكثر حيوية وضجيجا كلما كان أكثر استقرارا وركودا من الناحية البنيوية.

حين نقترب أكثر وأكثر من قلب النظام الثقافي تتضح إحدى أكثر آلياته حساسية وتعقيدا وتأثيرا على مسار المبدعين، وهي الجوائز. الجوائز الأدبية والفكرية ليست مجرد تتويج رمزي أو شيك مالي يمنح لعمل متميز، بل هي لحظة تكثيف مقصودة لكل ما يشتغل في الخلفية طوال السنة من تفاعلات وعلاقات وتوازنات وظهور إعلامي واستمرارية داخل الشبكة وخدمة مشروع " ذائقة جماعية" . في النموذج المثالي والطوباوي تقدم الجوائز باعتبارها آلية نبيلة لاكتشاف الجديد ومكافأة صادقة على التميز وفتحا للأفق أمام أصوات مختلفة ومغايرة. لكن في الممارسة الواقعية تتحول في كثير من السياقات إلى آلية محافظة لإعادة تثبيت مواقع قائمة مسبقا داخل الحقل الثقافي. لا يحدث هذا لأن النصوص الفائزة لا تستحق التتويج، بل لأن عملية الاختيار نفسها تخضع لمنطق أوسع وأعقد من مجرد تقييم النصوص. هنا تتقاطع عدة مستويات خفية، فلجان التحكيم ليست فقط هيئات تقنية محايدة ومعزولة، بل هي امتداد طبيعي لشبكات ثقافية قائمة تتبادل المصالح والتوجيهات. والأسماء المرشحة في القوائم ليست فقط إنتاجا أدبيا أو فكريا مستقلا، بل هي أيضا إنتاج داخل منظومة اعتراف طويلة الأمد. وهكذا يصبح القرار النهائي غالبا نتيجة توازنات دقيقة وإرضاء لأطراف متعددة، لا قطيعة جذرية تزلزل المشهد مع ما سبق. هذا لا يعني بالضرورة وجود مؤامرة مكتملة الأركان، بل يعني ببساطة وجود بنية اشتغال تفرض إيقاعها وتجعل التكرار وتكريس الأسماء المكرسة أكثر احتمالا وقبولا من المفاجأة باكتشاف موهبة مجهولة. ومع الوقت تتحول الجائزة المرموقة من حدث استثنائي يترقبه الجميع إلى حلقة إضافية روتينية في دورة الاستمرارية.

لكن الأخطر والأكثر تدميرا في هذا النظام المحكم ليس احتكار الجوائز وحدها، بل ما يمكن تسميته بالهندسة الناعمة للإقصاء الثقافي. وهي آلية لا تعتمد إقصاء مباشرا أو رفضا صريحا يمكن مواجهته، بل هي عملية بطيئة وهادئة تتسرب كالسم، تعتمد على آليات ماكرة مثل التأجيل المستمر للمشاريع، التجاهل غير المعلن للأعمال الجيدة، التفضيل التلقائي للأسماء المألوفة، إعادة تدوير الدعوات بين نفس الأشخاص، وإبقاء أبناء الهامش في حالة انتظار دائم ومستنزف للطاقة. بهذه الطريقة الخبيثة لا يشعر الفاعل الثقافي المستقل بأنه مقصى بشكل مباشر أو ممنوع من الصرف، بل يوهم بأنه غير مدرج بعد داخل الدورة وأن فرصته قادمة لا محالة. وهذا الفرق السيكولوجي مهم جدا لأنه يحول الإقصاء والرفض إلى حالة زمنية ممتدة ومبررة بدل أن يكون قرارا قاطعا ومستفزا. في المقابل يعمل المركز الثقافي والممسكون بخيوطه بطريقة أكثر هدوءا ودهاء مما يتصور الغاضبون. فهذا المركز لا يحتاج دائما إلى فرض سلطته أو استعراض عضلاته بشكل مباشر، بل يكفيه بكل بساطة أن يحدد قواعد اللعبة بصرامة، من يدعى، متى يدعى، وفي أي سياق يرى. ومع الوقت تصبح هذه القواعد المجحفة طبيعية ومسلمة إلى درجة أنها لا ترى أصلا ولا تناقش.

إذا عدنا إلى المقارنة الجيوسياسية بين السياقات الثلاثة المغرب وفرنسا والمشرق العربي سنجد أن الاختلافات البادية للعيان رغم وضوحها الظاهري لا تلغي بأي شكل التشابه البنيوي العميق. في فرنسا يظهر الحقل الثقافي أكثر مؤسساتية وصلابة وتأطيرا. هناك دور نشر قوية تصنع الرأي العام، جامعات فاعلة، ونقد أكاديمي صارم ومؤثر. لكن كل هذا الزخم لا يلغي أبدا وجود شبكات رمزية وجماعات ضغط، بل يجعلها تعمل باحترافية داخل المؤسسة نفسها، أي أن التراتبية والإقصاء يكونان مقننين ومحميين بقوة العادة والمؤسسة، لكنهما قائمان بوضوح. في المغرب نلاحظ مرونة أكبر في الحركة الثقافية وكثافة غير مسبوقة في الفعاليات والأنشطة وتداخلا واضحا بين الرسمي المؤسساتي والشخصي العلائقي. هذه السيولة المفرطة تجعل النظام يبدو أكثر دينامية وحركة، لكنها أيضا وفي نفس الوقت تجعل آليات الاعتراف وتوزيع المكاسب أكثر اعتمادا على التموقع داخل الشبكات والمجاملات بدل الاحتكام إلى معايير إبداعية مستقلة بالكامل. أما في المشرق العربي فهناك كثافة تاريخية وثقافية كبيرة رسختها عقود من الممارسة، خصوصا في الصحافة الثقافية العريقة والنقد الأدبي المتراكم، لكن هذه الكثافة والتاريخ لا يمنعان أبدا استمرار تشكل نخبة ثقافية مغلقة تتكرر عبر الزمن وإن بصيغ وأسماء متغيرة من جيل لآخر. أي أن التاريخ الثقافي الطويل والثري لا يمنع من إعادة إنتاج نفس منطق التموقع والسيطرة على مقاليد الاعتراف.

في الحالات الثلاث جميعها ورغم اختلاف السياقات والخلفيات يبقى العنصر المشترك والثابت هو أن الثقافة في هذه المجتمعات لا تعمل فقط كحقل لإنتاج المعنى أو المساءلة المستمرة للواقع، بل أيضا كجهاز لإنتاج الاعتراف والوجاهة الاجتماعية. وهذه نقطة مركزية وحاسمة في فهم تفاصيل المشهد. في هذا الإطار المتشابك يصبح الإعلام الثقافي والنقدي عنصرا حاسما وموجها للبوصلة. فهو لا ينقل براءة ما يحدث في الساحة، بل يساهم بشكل مباشر في تحديد ما يستحق أن يحدث ويتابعه الجمهور. اختيار الأسماء للملفات الثقافية والمجلات، حجم التغطية الممنوحة للأحداث، إعادة تدوير نفس الوجوه في الحوارات، كلها عناصر قوية تساهم في تشكيل ما يمكن تسميته بالواقع الثقافي المرئي الذي يحجب واقعا آخر يعج بالحياة في الظل.

ومع تراكم هذه العناصر تتشكل في النهاية صورة عامة تبدو نشطة ومليئة بالحركة والزخم. ندوات لا تتوقف، معارض تجوب المدن، مهرجانات تحتفي بكل شيء، وجوائز توزع بسخاء. لكن هذه الحركة الدؤوبة تخفي ببراعة استقرارا بنيويا أعمق حيث تتغير الأشكال والمواضيع والعناوين دون أن تتغير البنية المتحكمة. هنا تظهر المفارقة الأساسية التي تلخص المأساة، النظام يبدو حيا لأنه يتحرك ويثير الغبار، لكنه في العمق السحيق يعيد إنتاج نفسه بنفس الأدوات والأسماء تقريبا. وهذا تحديدا ما يجعل المشهد الثقافي يبدو في حالة ازدهار وتمدد دائم بينما هو في الواقع العملي في حالة دوران مغلق حول مركز ثابت لا يقبل التزحزح.

في هذا السياق المتكلس يتغير معنى المثقف نفسه ويتراجع دوره الطلائعي. لم يعد المثقف فقط ذلك الشخص العضوي المنتج للفكر المزعج أو الملقي للسؤال الحارق الذي يقض مضجع السلطة والمجتمع، بل أصبح أيضا وبشكل متزايد فاعلا براغماتيا داخل شبكة معقدة من التموقعات يبحث عن مصلحته. صار يهم من يدعوه، وأين يظهر، ومع من تلتقط له الصور، وكيف يعاد إدخاله بكرامة في الدورة الثقافية ومواسم جني الجوائز. هذا التحول التراجيدي لا يلغي بالضرورة الإبداع الفردي لكنه يعيد تشكيل شروط ظهوره وتسويقه ويفرغه من محتواه النقدي. ومع هذا التحول المخيف يصبح السؤال الجوهري ليس من ينتج الثقافة أو من يكتب أفضل، بل كيف تبنى هندسة شروط ظهور هذا الإنتاج داخل الحقل المحتكر. لأن الإنتاج العبقري دون ظهور مرئي يبقى مجرد نص ناقص الاعتراف لا أثر له، والاعتراف المصطنع دون إنتاج حقيقي يتحول بسرعة إلى استمرارية رمزية فارغة وفضيحة مؤجلة.

في نهاية هذا التفكيك العميق للآليات الخفية، لا يبدو المشهد الثقافي في هذه السياقات المتعددة منهارا أو مأزوما بشكل مباشر كما قد يعتقد البعض. بل على العكس تماما يبدو مستقرا، شديد التنظيم، ومتماسكا يحمي بعضه بعضا. لكن هذا الاستقرار المدروس والمحكم تحديدا هو ما يطرح الإشكال الأكبر ويدق ناقوس الخطر. لأن الثقافة حين تستقر أكثر مما ينبغي وتطمئن لمواقعها تفقد في الحين إحدى أهم مبررات وجودها ووظائفها التاريخية، ألا وهي خلق التوتر المعرفي، وإنتاج السؤال المربك، وزعزعة اليقينيات المستقرة. وحين يتحول الاستقرار والاحتفال المتبادل إلى قاعدة وحيدة، يبدأ التآكل البطيء في العمق، دون ضجيج أو دراما. المعرض يستمر بزواره، الجائزة تمنح بتصفيق حار، الندوة تعقد في قاعات فخمة، المهرجان ينظم بميزانيات مرصودة، وكل شيء يبدو ظاهريا في مكانه الصحيح تماما. لكن السؤال الحارق الذي يبقى معلقا في سماء المشهد، رغم كل هذا التنظيم المبهر والاحتفاء المستمر، هو هل ما زالت الثقافة العضوية تنتج المفاجأة وتغير الواقع، أم أنها أصبحت مؤسسة إدارية تدير استمراريتها وامتيازات أبنائها فقط. الخطر الأكبر هنا ليس الفوضى أو غياب الميزانيات، بل هذا النظام البيروقراطي الريعي الذي يعمل بكفاءة عالية وبلا هوادة دون أن ينتج اختلافا حقيقيا أو أثرا يذكر. وهكذا لا يختتم المشهد الثقافي بانفجار مدو أو صدمة توقظ الغافلين، بل بشيء أكثر هدوءا ومأساوية، استمرار جميل الشكل، دقيق التنظيم، لكنه بطيء الانطفاء من الداخل...