قال لي الصديق "ع.م"، أنه يلاحظ أن نسبة الإقبال على التسجيلات الإضافية ضعيفة رغم الإعلانات الرسمية والتشجيعات الحزبية الحاثة على ذلك. وإنها قد تكون مؤشرا آخر على ضعف الاهتمام وضعف المشاركة.
ثم تفرع الحديث إلى نقطة جوهرية تهم شكل الخطاب المستعمل من طرف مختلف الأحزاب السياسية، بما فيها أحزاب اليسار أو المحسوبة عليه، لحث الناس على تكثيف المشاركة، من قبيل الربط بين التصويت وممارسة واجب المواطنة، ومن قبيل تكرار القول ايضا أن الإخلال بالمشاركة هو نوع من إفساح المجال لسيطرة قوى لا تحركها مطامح الشعب وتطلعاته، ومن قبيل أيضا أن مصداقية المؤسسات وقوتها وصلابتها تتطلب مشاركة واسعة ووعيا متجذرا بأهمية هذه المشاركة.
كل هذا القول، في المنطق العادي، صحيح ومقبول .
لكن دعونا نحلل الأمر بشكل يستحضر المعطيات الأساسية التي يبدو أن الخطاب المكرس يتجاهلها كلية رغم أنها محددة اليوم في المقام الأول والأخير لبواعث الناس وتفكيرهم العميق حينما يطرح هذا الموضوع للمناقشة.
قلت للصديق إننا ننتمي الى جيل شهد فيه المواطنون والمواطنات ومارسوا الانتخابات منذ تشريعيات يوليوز1977 وما تلاها تباعا من استحقاقات 1983-1992-1997-2002 -2007- 2011 -2016 -2021، إضافة إلى مقابلاتها على مستوى الانتخابات الجماعية وهي بنفس العدد والوثيرة، هذا دون أن نغفل الانتخابات الجزئية التي تنظم حينما تستدعيها ظروفها الانتخابية ودون أن نغفل أيضا الانتخابات المهنية بمختلف غرفها وهيآتها.
وخلال هذه الفترة الطويلة (خمسين سنة بالتمام والكمال)، تم تجريب مختلف أنماط الاقتراع وخضعت الدوائر لمختلف أصناف التقطيع ؛وتم تجديد اللوائح مرات ومرات، وتغيرت القوانين الانتخابية مع مطلع كل استحقاق جديد تقريبا. ومرت البلاد خلال هذه الفترة بتناوب أطلق عليه التناوب التوافقي بعد انتخابات 1997، انتهت بما انتهت إليه من نتائج وتداعيات .
طيب، هل يجوز - قلت لمخاطبي - بعد كل هذا، القول بأن الناس على مستوى المجتمع العريض لا يعرفون أو لا يدركون أو غير واعين بأهمية المشاركة مبدئيا ، أو غير مستشعرين للرهانات الديموقراطية أو غير مقدرين لدور المؤسسات المنتخبة؟
ألم يخزن الناس تخزينا، بعد كل هذه المدة الطويلة، ما يكفي من المعلومات والمعطيات والإدراكات والمعارف حول حجم التحديات والرهانات، وبما يجعلهم شديدي الوعي بظروف الانتخابات وشخوصها وملابساتها ومساراتها ونتائجها ؟
أليس مشكلة وعيبا سياسيا أن نستصغر الحس العام والشعور العام والوعي العام، وأن نتعامل مع الموضوع كما لو أن الناس قاصرين أو غافلين يحتاجون الى من ينبههم إلى أشياء لا يفهمونها أو إلى تحديات لا يدركون أبعادها، وحيث يتم تقديم النصح والموعظة لهم وكأنهم لا يفهمون ولا يستوعبون الحقائق من حولهم ؟
وإذن ما العمل؟
تحسين مستوى المشاركة والرفع الحاسم من منسوبها- وهو بالطبع مطلوب وضروري - يتطلب اليوم أكثر من أي وقت مضى الإنصات إلى النبض العام، إلى التقييم العام للممارسة الانتخابية وممارسة المنتخبين كما يتداول الناس في شأنها في مجامعهم الخاصة.
يتطلب الإنصات إلى هذا الذي يرونه تباعدا بين الأقوال والأفعال، بين الأهداف والممارسات، بين العلاقة بين حياة المؤسسات وحالة الاقتصاد والأوضاع الاجتماعية، وفيما إذا كان هناك رابط أصلا بين الاثنين مفروض أن يتجدد مع مطلع كل استحقاق.
يتطلب الإنصات أيضا الى تقييم الناس لأوضاع النخبة ومساراتها ومصادرها ومشاتلها اليوم، وهي مشاتل بعيدة عما كانت تشكله المؤسسات السياسية الحزبية في السابق من تنشئة وتكوين وإعداد لممارسة المهام التمثيلية.
وغني عن القول أن هذا يتطلب حوارا وطنيا عميقا لم تعد تستوعبه اجتماعات تخصص لمناقشة المسا طر والإجراءات وتزكيات المرشحين وكل أشكال التسخين الانتخابي المعروفة.
وغني عن القول أيضا أن هذا الحوار يتوجب أن يستحضر ما يختزنه الناس في عقولهم وذاكراتهم، دون تعال أو نزعة نخبوية يدعي أصحابها أنهم يرون ما لا يراه الناس، في حين أن مايراه الناس واضح جلي لا يحتاج سوى إلى التحلي بفضيلة الحس السليم (بلغة جورج أورويل)..
نعم، الديموقراطية لا تستغني على المؤسسات الحزبية ولا تستقيم بدون انتخابات دورية، ولا تكتمل بدون نسب مشاركة مرتفعة.
غير أن الوفاء بهذه الأهداف وتفعيلها في الميدان، صار يتطلب اليوم بشكل استعجالي الانتباه جهة المجتمع العميق، (نعم هناك مجتمع عميق ) بخصوص ما يستشعره حول طبيعة العمليات الانتخابية، والسعي إلى التقاط الأسئلة التي يطرحها والإنصات بعمق إلى نقد الناس عموما وانتقاداتهم، في برائتها وواقعيتها وتلقائيتها، عوض الاتكاء على سردية سياسوية وحيد الاتجاه. ضيقة الأفق لم تعد تقنع أو تحرك أو تعبئ أو تنفتح على أفق.
التأكيد على هذه الشروط والمتطلبات البنيوية لا يعني الانجرار إلى أي شكل من أشكال الشعبوية.
فرق كبير هائل بين الشعبوية كخطاب وممارسة، وبين القول بوجود مجتمع عميق له حكمته وحواسه وأحكام وتقييماته.
نعم، هناك مجتمع عميق يتوجب الانتباه إلى إشاراته الدالة العميقة وإلى قلقه المشروع، تصحيحا لمسار الديموقراطية وصونا لآلياتها المؤسساتية وتطويرا لمستوى ونسب المشاركة الانتخابية.






