يقول نزار قباني " إن اللغة العربية تضايقهم لأنهم لا يستطيعون قراءتها . . . والعبارة العربية تزعجهم لأنهم لا يستطيعون تركيبها. . إنهم يريدون أن يفتحوا العالم وهم عاجزون عن فتح كتاب".
لم يكن الظهور المرتبك لوزير التعليم المغربي، وهو يحاول تمتمة كلمات غير مفهومة أمام نواب الأمة، هو الأول له أو لغيره من أعضاء حكومة الكفاءات، ولن يكون الأخير. وليس المجال مدعاة للتهكم أو التنمر أو التبرير، بل هو لطرح السؤال المركزي: كيف وصلنا إلى هذا الدرك؟ وحتى يتضح الأمر ونقتنع بأنه لا يتعلق بوزير واحد، وإنما بفريق كامل يدير الشأن العام، ويعيش عجزا لغويا واضحا ويريد من المجتمع التطبيع معه. فالأمر ليس حالة فردية أو خطأ عرضيا يمكن أن يقع فيه كل متحدث باللغة لاعتبارات تربوية وسياقية، ولكنه غدا ظاهرة سياسية تحتاج التأمل.
فقبل أشهر أحرجت طفلة برلمانية، وزراء الحكومة الحاضرين في الدورة الوطنية لبرلمان الطفل حين فضحت عجزهم التواصلي واستعمالهم العامية مطعمة بكلمات فرنسية في جلسة رسمية، في وقت كانت فيه أسئلة الأطفال البرلمانيين، قاصدة وملقاة بلغة عربية فصيحة. وإبان عقد المنتدى البرلماني للتعاون الاقتصادي (سيماك) وبالرغم من توفير الترجمة الفورية اختار وزير الإدماج الاقتصادي والتشغيل ووزيرة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة الحديث في قبة البرلمان بلغة موليير. في الوقت نفسه تقريبا تخرج علينا عمدة البيضاء للتواصل مع ساكنة المدينة، وهم مغاربة للتذكير، بمنشور على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” باللغة الفرنسية وكأنها تخاطب ساكنة تولوز أو ليون. ولم تجد زميلتها وزيرة السياحة المغربية أي حرج في الحديث مع الصحافة باللغة الفرنسية، بل ورفض التصريح باللغة العربية ونسبة العجز إلى المغاربة الذين دعتهم الى تعلم اللغة الفرنسية. وقبلهم جميعا كان رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش، الذي أدخل العامية إلى منشورات رئاسة الحكومة، يتحدث باللغة الفرنسية لدى مناقشة مخطط حكومي إلى جانب وزراء آخرين، وهو ما أثار استهجانا شعبيا عارما عبر عنه بعض البرلمانيين. هذه نتف من كثير. فكيف وصلنا إلى هذا المستوى؟
لو تتبعنا الأحداث التي تراءت أمام أعيننا في العقود السابقة لوجدنا ما يقع الآن نتيجة طبيعية للاختلالات الهوياتية وصمت الدولة عليها. فقد كانت البداية بالتساهل مع الأخطاء اللغوية والإملائية في المنشورات والقرارات والتصريحات الحكومية المختلفة، لأن الصرامة المهنية والمراقبة اللغوية تجبر الشخص على احترام لغته. إذ تذكر الروايات قصة خطإ ورد في بلاغ لمجلس حكومي في عهد حكومة المرحوم الفيلالي حيث سقط حرف الكاف من عبارة اجتمع مجلس الحكومة، التي تحولت إلى اجتمع "مجلس الحومة" والتعليق المتهكم لوزير الداخلية آنئذ. لكن التطبيع مع الخطإ أوصلنا إلى أن يأخذ دفة أهم وزارة في الدولة والمسؤول عن تربية النشئ ولغتهم وزير مثل رشيد بلمختار، الذي اعترف لقناة فرنسية، بخطين تحت فرنسية، بأنه لا يعرف اللغة العربية، وعلى يديه انطلقت الانتكاسات التي نعيشها الآن في المدرسة المغربية. وعلى هذا المنوال يمكننا أن نقيس ما وقع ويقع في التدبير اللغوي حتى وصلنا إلى مسؤولين وكتاب يكيلون التهم للغة الرسمية ويعتبرونها لغة استعمار أو تخلف أو إرهاب. بل الأدهى أن تمنح المسؤولية لشخص لا يعرف لغة وطنه، ولا يعرف أبجديات النطق بها. هذا لا يعني أننا لن نجد بعض نقط الضوء التي غدت استثنائية في هذا الخضم، مثل مراسلة السيد نزار بركة وزير التجهيز والماء الملزمة إدارات وزارته بالتعامل باللغة العربية، ورفض وزير الخارجية ناصر بوريطة الكلام بالفرنسية بحضور وزير خارجية فرنسا خلال لقائهما في العاصمة الرباط. لكنها تبقى حالات استثنائية وخاصة. لأن الحكومة الحالية شذت في كل شيء عن سابقاتها، وحتى المنشور الذي اعتاد رئيس الحكومة إصداره والقاضي بإلزامية استعمال الإدارات العمومية والجماعات الترابية بجميع مرافقها للغة العربية، وبالرغم من شكليته، فقد تخلت عنه. فالمطلوب أن يستوعب المسؤول بأن استعمال اللغة الرسمية ليس اختيارا تواصليا أو قرارا ذاتيا وإنما جزء من سيادة الدولة التي يمثلها، وأي تهاون في الأمر أو استهانة بقدرتها على تأمين التميز الوظيفي والسياسي يعني ضربا في استقلاليتها ومنعتها خارجيا، وهدما لمقومات الانتماء داخليا. فلا يعقل أن تسند وظيفة تدبير الشأن المعرفي لمن يحتاج للوعي بدور اللغة في النهوض المرجو والإصلاح المأمول. كتب دكتور بريطاني يهاجم رئيس الوزراء الأسبق؛ توني بلير، لأنه أخطأ في نطق كلمة أمام مجلس "اللوردات"، وعدّ ذلك نعياً للغة الإنجليزية التي يجب على المسؤولين الحفاظ عليها. فكيف بمن عجز عن تهجئة حروف لغته الوطنية؟. وكيف لمن يفكر ويتواصل بلغة الغير أن يدافع عنك ضد هذا الغير؟. إن وصفة النجاح التي انتشى بها ماكرون.
إن ما يهمنا في هذا السياق هو الإشارة إلى أن مدخلات السيادة اللغوية الثلاثة تؤكد أن أي تغيير لا يمكن أن يتحقق دون فهم حقيقي لوظائفية اللغة وقدراتها المعرفية/ التنموية وحقوق المتكلمين بها في تملكها وأمنهم اللغوي. واللغة العربية باعتبار رسميتها أولا وقوتها التراكمية والحضارية بالنسبة للمغاربة هي عنوان الوجود والانتماء، وأي اعتداء عليها أو استهزاء بمكانتها يعني الاستهزاء بالوطن والمجتمع وثوابته. إذن فالقضية ليست قضية وزير أو مسؤول أخطأ في سياق معين، بل هي نسق من الاختلالات الهوياتية التي أوصلتنا إلى تنفذ نخبة فاقدة للوعي بالسيادة اللغوية وأهمية اللغة الرسمية في تسيير دواليب الدولة، ودليل آخر على عجز سياسي أعمق من العجز اللغوي.






